عبد الملك الثعالبي النيسابوري
288
يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر
لك ، ورقة قولي في عتابك ، ولو رأيته لأنسيت أحواض مأرب ومشارب أم غالب ، وقد قابلتني شقائق كالزنوج تجارحت فسالت دماؤها وضعفت فبقي ذماؤها « 1 » ، وسامتني أشجار كأن الحور أعارتها أثوابها ، وكستها أبرادها ، وحضرتني نارنجات ككرات من سفن ذهبت ، أو ثدي أبكار خلقت ، وقد تبرم بي الحاضرون لطول الكتاب فوقفت وكففت ، وصدفت عن كثير مما له تشوفت « 2 » . ومن رقعة - مضيت وشاهدت أحسن منظر : فالأرض زمردة ، والأشجار وشي ، والماء سيوف ، والطير قيان . * * * رقعة في الاعتذار من هفوة الكأس سيدي أعرف بأحكام المروءة من أن يهدى إليها ، وأحرص على عمارة سبل الفتوة من أن يحض عليها ، وقديما حملت أوزار السكر على ظهور الخمر ، وطوي بساط الشراب ، على ما فيه من خطأ وصواب ، وكنت البارحة بعقب شكاة أضعفتني ونقلتني عن عادتي ، واستعفيت السقاة غير دفعة فأبوا إلّا إلحاحا عليّ وإتراعا إلي « 3 » ، وكرهت الامتناع خشية أن أوقع الكساد في سوق الأنس وتفاديا من أن يعقد على خنصر الثقيل ، فلما بلغت الحد ، الذي يوجب الحد « 4 » بدر مني ما يبدر ممن لا يصحبه لبّه ، ولا يساعده عقله وقلبه . ولا غرو فموالاة الأرطال ، تدع الشيوخ كالأطفال . فإن رأى أن يقبل عذري ، فيما جناه سكري ، ويهب جرمي
--> ( 1 ) الذماء : بقية النفس والقلب . ( 2 ) تشوّفت : تطلعت ورغبت . ( 3 ) أتراعا : إغداقا . ( 4 ) الحدّ الأولى : المقدار ، والحدّ الثانية : إقامة وتطبيق الشريعة .